الشيخ أحمد فريد المزيدي

332

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الكرب يضجون ، قد جمع أنفاسهم في أنفاسهم ، وحبس أرواحهم في أرواحهم ، فهم به عليه يترددون ، ومنه به إليه يتوحدون ، وهذا بعض علم التوحيد مما لوح إليه به صفوته . تمّ بحمد اللّه ومنّه ، وصلّى اللّه على محمد وآله وسلّم . * * * الكتاب السابع في الفرق بين الإخلاص والصدق بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى . قال الشيخ الإمام أبو القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه ونور ضريحه : آنسك اللّه بقربه ، وجدّد لك في كل وقت من الزيادة في بره ، وسترك في ظلال جناح رحمته ، وجعل مأواك في جواره الذي أسكن فيه أرواح أهل خاصته ، الذين تولاهم بحياطته ، فلم يلحقهم لاحق ، ولم يقطعهم قاطع ، ولم يشغلهم شاغل ؛ وصلى اللّه على نبيه وعلى أهل بيته وأصحابه وسلم . أما بعد . . فإنك سألت عن الفرق بين الإخلاص والصدق ، فمعنى الصدق القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها ، بعد الوفاء منك بما عليك مما دلك العلم عليه ، في إقامة حدود الأحوال في الظاهر ، مع حسن القصد إلى اللّه عز وجل في أول الفعل ؛ فالصدق موجود في حقيقة صفات الإرادة ، عند بداية الإرادة ، بالقيام بما دعيت إليه في حقيقة إرادتك ، مما طرق الحق لك إليه ، والمبادرة فيه بالخروج عن موافقة النفس لطلب الراحة ، مع انتصاب العلم لك ، وموافقتك له ، بخروجك من التأويل . فالصدق موجود قبل وجود حقيقة الإخلاص ، وقد قال اللّه عز وجلّ : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ [ الأحزاب : 8 ] ، ثم سألهم بعد ما أتوا بالصدق : ما أرادوا بصدقهم . وقد سمى اللّه تعالى الصادقين في موضع آخر على غير هذا المعنى ، فقال عز وجلّ : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] ، فكان الصدق في الأول علما للخلق وفصلا بينهم وبين الإخلاص ، لأن الإخلاص موجود في صفة الخلق عند حالين : حال الاعتقاد والنية ، وحال الفعل والعمل .